واحد من أشهر الشخصيات الثورية في تاريخ المنطقة العربية الحديث “مصالي الحاج”, و هو من علامات المقاومة الجزائرية للإحتلال الفرنسي لسنوات طويلة, و أشهر إنجازاته العديدة في مجال المقاومة هو تأسيس حزب “نجم شمال إفريقيا” و الذي أصبح حزب “الحركة الوطنية الجزائرية”.

بدأ مصالي حياته في الجزائر لعائلة من جذور تركية, و لكنه ولد و تربى في الجزائر عام 1898, و تعلم بها ايضاً وسط عائلة بسيطة في تلمسان. و عندما بلغ من العمر 20 عاماً ضمته فرنسا لصفوفها بالجيش بالحرب العالمية الأولى, و عاد للجزائر بعد الحرب ب 3سنوات و لكنه لم يتمكن من الحصول على وظيفة جيدة و خصوصاً مع القهر الممارس ضد العامل المسلم في الجزائر, فعاد إلى فرنسا و بدأ بالعمل هناك.

و في فرنسا التي كانت تعيش على الأموال الأمريكية و بدأ الإنفتاح الأوروبي على الثقافة الأمريكية و الذي وُصف في تلك الفترة ب “جنون العشرينات” ما قبل بداية الإنتكاسة التاريخية “الكساد” في الثلاثينات من القرن الماضي, إلا أن مصالي الحاج تقرب من الحزب الشيوعي الفرنسي و تأثر ببعض افكاره و بدأت تتشكل هويته السياسية من خلال علاقاته بأعضاء الحزب.

و عندما بلغ من العمر 28 عاماً, بعام 1926, أسس الحزب الشهير “حزب نجم شمال إفريقيا” نتيجة القمع ضد العمال من شمال إفريقيا في فرنسا, و هو حزب لم يكن مقتصر على الجزائر فقط بل كان هدفه أن يُصبح حزب يشمل جميع دول شمال إفريقيا و أنضم له البعض من دول أُخرى من تونس و المغرب, و في عام 1927 بدأ الحزب للمرة الأولى يُنادي بضرورة إستقلال الجزائر و المغرب و تونس, لذلك أعتبره العديد أول من بدأ حملة للإستقلال الوطني. حينما ذكر أول لفظ “إستقلال” في مناسبة رسمية بمؤتمر ضد الإستعمار في بروكسل ببلجيكا.

مما دفع السلطات للقبض على مصالي الحاج و سجنه عدة مرات حتى تم حل الحزب عام 1929, و بدأ أعضاء الحزب الإتجاه للعمل السري, و من خلال نشاطه السياسي بدأ يُهاجم الحزب فرنسا و أسلوبها و قدم مصالي الحاج وثائق بعصبة الأمم (الهيئة التي حُلت و أستبدلت بالأمم المتحدة) تفضح فرنسا و أسلوبها في إدارة الجزائر, مما دفعهم لتركه يبدأ حزب من جديد بعد أن عدل بعض الشئ في اسمه عام 1933.

و أستمر مصالي الحاج بالتحفيز على المظاهرات من أجل إسقاط الحكومة الفرنسية بالجزائر و لكن ظل على مدار سنوات يتم الدفع به بالسجن و في كل مرة كان يخرج و يبدأ الكفاح من جديد, و ظل مصالي الحاج مستمر بكفاحه السياسي حتى نجح بعد مجزرة “سطيف” الشهيرة بتأسيس “حركة إنتصار الحريات الديمقراطية” عام 1946 و دخل بها الإنتخابات البلدية و حصد أغلب الأصوات مما أجبر الحكومة الفرنسية على حل تلك الحركة ايضاً.

و لكن رغم ذلك كانت تلك الحركة هي البداية لتأسيس ركيزة ما أصبح لاحقاً الثورة الجزائرية التي إنتهت بتحرير الجزائر, حيث أنضم العديد من الشبان الذين أصبحوا قادة حركة الإستقلال لاحقاً و من ضمنهم “بن بلة” و “بوضياف”. و على مدار حياته أسس عدة صحف و لكن أهمها تلك التي ظلت مستمرة حتى بداية ثورة الجزائر “جريدة الجزيرة الحرة”.

وعود فرنسا الكاذبة تجاه الجزائر بالإستقلال بعد الحرب العالمية الثانية (الحرب إنتهت 1945) و تزوير في إنتخابات 1948 قتلت أحلام الجزائر في الحصول على الإستقلال سياسياً, مما دفع العديد داخل الحركة من الميل لفكرة التحرير بالسلاح, و في عام 1951 تم إعتقال بن بلة مما أشعل الغضب داخل شباب الحركة بضرورة بداية حركات عسكرية و مقاومة مسلحة.

و رغم تاريخ مصالي الحاج المشرف و بإعتباره المُعلم الأول للعديد من قادة الثورة, إلا أن مع بداية العصيان المسلح الجزائري و بداية حرب إستقلال الجزائر, فوجئ أعضاء الثورة بموقف مصالي الحاج المعارض لإستخدام السلاح و إصراره على اللجوء للحلول السياسية لتحرير الجزائر. و تم تأسيس “الحركة الوطنية الجزائرية” عام 1954, و من هنا بدأت الأزمة.

أنفصلت الحركة و تأسس حركتين “الحركة الوطنية الجزائرية” على يد مصالي الحاج و “جبهة التحرير الوطني” على يد “كريم بلقاسم” و التي قادت حرب الإستقلال الجزائرية الشرسة, و لكن النزاع أشتد بين الطرفين و تحول لعداء لم ينتهي أبداً و مع نهاية الحرب رفض مصالي دخول المفاوضات من أجل إستقلال الجزائر و رحل إلى فرنسا حيث تم وضعه تحت الإقامة الجبرية في باريس حتى وفاته عام 1974. أما كريم بلقاسم فقد تم أغتياله في فندق بألمانيا الغربية عام 1970.

و مازال موقف مصالي الحاج حتى اليوم محل نزاع شديد هل كان من أجل مصلحة الوطن أم ضد مصلحة الوطن (سواء كان بقصد أو بغير), و لكن بشكل عام يظل مصالي هو من مهد الطريق لبداية الإستقلال الجزائري و غرس فكرة ضرورة إستقلال الدولة داخل عدة شباب قادوا رحلة إستقلال دولتهم في النهاية. و لكن نهايته كانت النفي و التعتيم التام عليه لفترة طويلة نظراً لموقفه تجاه الحرب.

و تُعتبر وفاته خارج بلاده من العديد بمثابة إهانة له, رغم إطلاق اسمه على أحد المطارات بالجزائر إلا أن ذلك مازال غير كافي للبعض, و لفترة طويلة كان يتردد وصفه بالخائن من بعض المعاديين له بالجزائر, و لكن يرى العديد من المؤرخين أن مصالي هو أحد أهم ركائز إستقلال الجزائر بل يرى البعض ايضاً أن دور مصالي أكبر من دور حرب إستقلال الجزائر في منح الجزائر إستقلالها, و أسلوب معاملة مصالي بهذا الشكل و منع العديد من المتعاطفين معه حضور جنازته و دفنه ليلاً يُعتبر مهانة كبيرة له و لكن يوضح مدى الكره تجاهه من عدد كبير من القادة و الحكام بالجزائر بعد الإستقلال.
إلا أن مازال البعض يرى صراعه مع قادة حرب الإستقلال هو صراع سلطة في النهاية و رغبة منه أو من أعدائه بالصعود للسلطة بعد نجاح الثورة و بشكل خاص من إتجاه مصالي مما تسبب في العداء.. و يبقى لك/لكِ في النهاية.
https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js (adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});